جلال الدين الرومي
407
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
« أنا عند المنكسرة قلوبهم » وكم من أغنياء وعلماء أجلاء صاروا لذلك الوزير إمعات ( لحية ثور ) ، أرأيت كيف يمسخ الضلال والطمع والحرص البشر ؟ ! ألم تقرأ في قصة هاروت وماروت أن المرأة التي أغرتهما قد مسخها الله تعالى وجعل منها كوكب الزهرة ؟ ! ( الأسطورة تكاد تكون عالمية فهي ناهيد الزهرة عند الفرس وافروديت عند اليونان وفينوس عند الرومان ( كولبينارى : 100 - 99 ] ، وانظر مقارنة بين الروايات القديمة المتشابهة ، عن الزهرة [ 100 - 99 ] ) أتعتبر تحول امرأة إلى كوكب مسخا ولا تعتبر هبوطك إلى حضيض الجسد وتجاهلك لعالم الروح مسخا . إن الروح ترفعك إلى أعلى عليين ، وأنت تتشبث بالجسد ليهبط بك إلى أسفل سافلين ( هذه هي أساس الجدلية الصوفية كلها وقد عبر عنها سنائى بقوله : ما ذا أفعل بالجسد وأنا من عليين * وما ذا أفعل بالروح وأنا من طين وأنك بدلا من أن تسير في أثر الروح ، نزلت وتسفلت ، ألست ترى المسخ الذي حدث لك وأن لم يكن هذا مسخا فماذا يكون المسخ ؟ ! إنك لا تراه لأنه مسخ باطني ، مسخ قلب ، ومن رحمة الله بأمة محمد أنه جعل مسخها في القلوب لا كمسخ بني إسرائيل في الأجساد والجوارح ( عن المسخ الظاهر والمسخ الباطن ، انظر الكتاب الخامس ، الأبيات 2593 - 2601 وشروحها ) وها أنت ترى نفسك جديرا بملك العالم وبأن تملأ سيرتك الدنيا ، وصعدت في الفلك السابع ، لكنك لم تدرك إن السجود لآدم كان سجودا لروحه ولم يكن سجودا لجسده . ( 547 - 552 ) : لكن لا تيأس من رحمة الله : فان معرفة الحق إن سطعت على كل ما في العالم من ثلج وما في دنياك من اهتمامات مادية أحالتها إلى ماء وأذابتها ، وشعاع واحد من رحمة الله وعنايته يجعل كل غزل ذلك الوزير أنكاثا ، ويجعل هذا الإضلال حكمة ، وهذا التلبيس رحمة ، وهذا السم شرابا سائغا ، فيهديك من حيث أراد غيرك بك الضلال ، ويمنحك محبته من حيث أراد غيره أن ينمى الحقد في قلبك ، أليس هو سبحانه وتعالى الذي رعى إبراهيم عليه السّلام وهو في النار ؟ ! أليس هو الذي أبدل المؤمنين من بعد خوفهم امنا في بدر ؟ ! إنه تعالى محرق الأسباب وفاسخ العزائم . وهذا ما يصيبني بحيرة العارفين ، وأرى أن التفكير بالعقل في فعله مجرد سفسطة وشقشقة ألفاظ .